الإثنين ,18 ديسمبر 2017
أخبار عاجلة
الرئيسية / الحزب الاشتراكي الموحد / وثائق الحزب / في الحاجة إلى دستور جديد

في الحاجة إلى دستور جديد

الفهرس

I – المنطلق : إرادة العبور من دولة المخزن إلى دولة القانون

II – الاختلالات العشرون لنظامنا السياسي والدستوري : دولة المخزن

يتعين النهوض بمهمة تصحيح عدد من الاختلالات التي تُبْعِدُ نظامنا السياسي عن النموذج الديمقراطي المأمول، وأهم هذه الاختلالات هي :

1-          وجود سلطة تقليدية فوق دستورية : ثنائية البيعة والدستور

2-         الضبط الانتخابي

3-         التركيبة الحكومية لا تعكس إرادة “أغلبية حزبية”

4-         الوزير الأول ليس في وضع الرئيس الفعلي للجهاز التنفيذي

5-      الوزراء “العاديون” أقرب إلى مسيري قطاعات إدارية منهم إلى وزراء بالمعنى السياسي

6-      عدم إلزامية البرنامج الحكومي المعلن

7-      غياب أي دور للوزير الأول في عمل مؤسسة مجلس الوزراء

8-      ثنائية حكومة فعلية موازية/حكومة إسمية

9-      ظاهرة اللجان/الصناديق/المؤسسات/المجالس

10-  الوضع الخاص لوزارة الداخلية والأجهزة الأمنية

11-     مكانة المديرين في هرم السلطة

12-  شبه استقلالية الأمانة العامة للحكومة

13-  التشريع الملكي المباشر

14-  اعتبار القضاء مشمولا بسلطة الإمامة

15-   ضعف المؤسسة البرلمانية

16-  الإيحاء بأن الليبرالية اختيار وحيد مدستر

17-  الزواج بين السلطة والمال

18-  ثقل البروتوكول:

19-  شبه غياب أو تغييب السلطة المضادة

20-     تعدد الأسلحة السهلة لتعطيل عمل المؤسسات المنتخبة

III : المرتكزات العامة للدستور  الجديد : دولة القانون

 

 I – المنطلق : إرادة العبور من دولة المخزن إلى دولة القانون

سبق للحزب الاشتراكي الموحد أن نشر في 21 ماي 2006  الوثيقة المرجعية للحزب حول التغيير الدستوري، وهي الوثيقة التي اعتمد عليها الحزب في صياغة مذكرة المطالب والمقترحات التي جرى التقدم بها إلى الرأي العام والسلطات العمومية والتـي تحمل تاريـخ 28 يناير 2007.

وظل الحزب يعتبر أن إنجاز الانتقال الديمقراطي يتطلب وضع دستور جديد مختلف جذريا عن كل الدساتير التي عرفها المغرب. وكان الحزب مبادرا إلى طرح أفكار وشعارات ومقترحات تدخل في صلب تحديد المضمون الذي يجب أن يرتكز عليه الدستور الجديد.

واليوم يُلاَحظ في الساحة السياسية أن تلك المقترحات والأفكار عرفت طريقها إلى عقول وأذهان فئات واسعة من الشباب الذي رددها في مظاهراته الحاشدة، وانتهت مجموعة من الأحزاب والفعاليات والقوى النيرة إلى تبنيها.

وهكذا، فنحن نعيش لحظة سياسية تؤكد بجلاء صدقية تحليلات الحزب وصواب شعاراته ومواقفه.

واليوم، يباشر الحزب تحيين أفكاره ومقترحاته الخاصة بالتغيير الدستوري ويعمل على إغنائها، وتفصيل البعض منها، وتدقيقها، وعرض المزيد من الآليات والتقنيات الدستورية التي تمثل وسائل لحماية الحريات الديمقراطية وكفالة التدبير الديمقراطي للشأن العام.

الحزب الاشتراكي الموحد ينطلق أولا من حق الشعب المغربي مثل جميع الشعوب في تقرير مصيره السياسي وامتلاك سلطة ممارسة سيادته غير القابلة للتفويت. فالمادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن “إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجري دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين…”.

بمعنى أن الحكم لكي يكون مقبولا من الوجهة الديمقراطية، يجب أن يُوضع بين أيدي المنتخبين. هؤلاء وحدهم هم من يمارس تدبير الشؤون العامة نيابة عن الناخبين وباسم الناخبين. مهمتنا الأساسية في المغرب هي ربط القرار بصناديق الاقتراع، وتمثيل الشعب لا يكون سوى بالانتخاب، وليس هناك تمثيل أبدي أو سابق على لحظة الاقتراع.

ولكي يمارس المنتخبون أدوارهم في نظام ملكي وراثي، وتُحترم القاعدة المنصوص عليها في المادة 21 المشار إليها، يجب أن يتمثل دور الملكية أساسا في تسليم أولئك المنتخَبين مفاتيح أداء وظائفهم ومنحهم وسيلة تطبيق برامجهم وتنفيذ التزاماتهم إزاء ناخبيهم، مع حمل الملك لألقاب شرفية وتشخيصه لرمزية استمرارية الدولة ولرمزية دينية لا يتدخل باسمها في عمل المؤسسات.

لا يمكن أن يُمنح الملك، في أي بلد من البلدان، سلطة تمس بمبدأ السيادة الشعبية أو تعرقل ممارسته أو تحد من مداه. ولهذا فإن الملكية البرلمانية هي الشكل الوحيد لضمان التوفيق بين الملكية الوراثية وقواعد الديمقراطية. فالملكية البرلمانية تقوم على احترام قواعد الديمقراطية المتمثلة في:

-السيادة الشعبية. فالشعب صاحب السلطة والكلمة العليا.

-فصل السلطات. فليس هناك أي مُسَوِّغ لكي تتجمع السلطة في يد جهة أو فرد من الأفراد. وكل سلطة تحد سلطة مقابلة لها. واحتياز سلطة من جنس معين يقتضي بداهة حرمان حائز هذه السلطة من حق احتياز سلطة أخرى من جنس آخر.

-التمثيل النيابي الدوري بواسطة انتخابات حرة وشفافة، تجري في آجال معقولة، وفي إطار تعددي.

-حماية الحريات وحقوق الإنسان في التشريع والعمل. لايجوز لأية دولة أن تخرق الحريات والحقوق المنصوص عليها أساسا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أو تفسيرها على وجه لا يطابق المعنى الممنوح لها في المجتمعات الديمقراطية، أو الانتقاص منها بدعوى تنظيمها.

والحزب الاشتراكي الموحد ينطلق ثانيا من أن الدستور، أي دستور، يجب أن يتوفر على مجموعة من المقومات التي بدونها لا يمكن أن تحمل وثيقة ما – حتى وإن صودق عليها باستفتاء شعبي – اسم الدستور.

فالمادة 16 من إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 تنص على أن “كل مجتمع لا تكون فيه ضمانة الحقوق مؤمنة، ولايكون فيه فصل السلطات محددا، فإنه لا يتوفر قط على دستور”.

كل مجتمع يعتبر فيه الحاكم أن بإمكانه إهدار الحقوق المنصوص عليها في الدستور باستعماله لسلطة مستمدة من “عقد” آخر أعلى من الدستور، وكل مجتمع يصرح فيه الحاكم بأن فصل السلطات غير مطروح على مستواه، بل يُتصور في مستوى أدنى منه، أما بالنسبة إليه فيجوز أن تتجمع السلطات لديه، دون أن يوفر الدستور آلية لجم هذا التوجه وإسقاط هذه القراءة، هو إذن مجتمع يعيش- حسب المعنى الذي تبشر به المادة 16 المذكورة سابقا – نوعا من “المجاز الدستوري”. فالدستور عندنا لا يمثل في النهاية سوى وثيقة استئناسية غير ملزمة في الكثير من جوانبها ومقتضياتها، ولا تقيد الحاكم، وتترك له حق تعيين مناط سلطته بنفسه.

نحن نحتاج في المغرب إذن إلى “دستور حقيقي” منسجم ومتماسك، ولا تناقض بين أبوابه ومقتضياته، يمثل المرجع الأسمى لتدبير الحكم ولرسم علاقات السلطات بعضها ببعض في إطار فصل حقيقي للسلطات. دستور يقر ويضمن الإعمال الكامل للقاعدة القاضية بأن “إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم”.

الدستور الذي نريد هو دستور الملكية البرلمانية الذي ينهي بشكل فعلي حالة تعليق الديمقراطية التي استمرت لمدى عقود طويلة عشنا خلالها أحيانا “هامشا” ديمقراطيا، وانتخابات غير مؤَسِّسَةٍ، لا تمنح “الفائزين” فيها سلطة فعلية لتحديد مسار البلاد. وبعبارة أخرى عشنا في ظل وجود صوري لعدد من هياكل ومؤسسات الديمقراطية، لكن بدون ديمقراطية. أي أننا عشنا وجود جزء من الشكل الديمقراطي بدون مضمون الديمقراطية وروحها.

لم يعد هناك مجال لاستمرار هذه المفارقة وهذا التساكن بين شكل حداثي ومضمون تقليدي. ودولة المخزن هي محاولة لشرعنة وتأبيد هذا الوضع الشاذ وفرض قبوله على كل الفرقاء، بينما شباب 20 فبراير يريد شيئا آخر، ويطمح إلى بناء مغرب سياسي جديد.

ليست مهمتنا اليوم هي تحسين دستور 1996 والتقدم بصيغة له أحسن من الصيغة السابقة، والانتقال من قاعة انتظار إلى قاعة انتظار جديدة.

مهمتنا هي وضع دستور جديد يشكل قطيعة نهائية مع ماضي الاستبداد، ويتم عبر هذا الدستور تحقيق الانتقال الحاسم والفاصل نحو النظام الديمقراطي المتعارف عليه كونيا.

هذه في نظرنا هي رسالة حركة 20 فبراير، التي تمثل إرادة شباب مغربي نجح في تكسير جدار الخوف والصمت وأراد أن يعيش مثل بقية شعوب البلدان الديمقراطية، ويتمتع بنفس الحقوق والحريات المسموح بها فيها. فإقامة الملكية البرلمانية ليست منحة أو مِنَّةً تُقدَّم إلى هذا الشباب، بل هي حق ثابت ومكفول بمقتضى المواثيق الدولية، وكل من يُنْكِرُهُ على الشباب إنما يدعو في حقيقة الأمر إلى أن تعيش بلادنا خارج نادي الأنظمة المتحضرة وخارج العقل والحداثة.

فبعد أزيد من قرن من التردد وعدم الحسم في ولوج مجتمع الحداثة السياسية وتغيير بنية الدولة والانتقال من واقع الدولة المخزنية إلى الدولة الديمقراطية، على الحاكمين أن يدركوا أن التغيرات المتسارعة في عالم اليوم، والانتفاضات المشتعلة بمنطقتنا، لم تعد تسمح باستمرار هذا التردد.

والمادة 28 من إعلان حقوق الإنسان والمواطن لـ 24 يونيه 1793 تؤكد حق أي شعب في الإقدام على مراجعة أو إصلاح أو تغيير دستوره، “إذ لا يمكن لجيل ما أن يُخضع الأجيال القادمة إلى قوانينه “.

II – الاختلالات العشرون لنظامنا السياسي والدستوري : دولة المخزن

يتعين النهوض بمهمة تصحيح عدد من الاختلالات التي تُبْعِدُ نظامنا السياسي عن النموذج الديمقراطي المأمول، وأهم هذه الاختلالات هي :

1- وجود سلطة تقليدية فوق دستورية : ثنائية البيعة والدستور

إن وجود سلطة تقليدية تنهل من مشروعية موازية، ويمكن لها باسم هذه المشروعية أن تتخطى النص الدستوري، يفيد بكل بساطة ما يشبه غياب المؤسسة الدستورية بمفهومها الحقيقي.

ومن ثمة نستطيع الجزم، بعدم »جدية« الاختصاصات الواردة في الدستور والممنوحة للوزير الأول أو للبرلمان، فالمؤسسة الملكية عمليا هي الدولة، وكل المؤسسات ترتبط بها برابطة الطاعة والمخدومية.وهذا يجعل الوزير الأول والحكومة مجرد أجهزة لتلقي التعليمات وترجمتها والتحرك في حدود ما يُحال عليها وما يُفوض لها أو ما يُطلب منها أن تباشره.

وكلما خَفُت صوت الدستور وتراجعت مكانته وضمر دوره باسم مشروعية تراثية تمثل الأصل في تنظيم العلاقات، وتجعل المرجع في التدبير العام هو إرادة شخص الحاكم أولاً وقبل كل شيء، فإن هذا يُفضي عمليا إلى احتقار القوانين والنصوص وتكريس دولة التعليمات الشفوية التي تُبرَّر بكون الذين أصدروها إنما تلقوها هم أيضا “من أعلى”، حتى وإن لم يكن الأمر كذلك !

2-الضبط الانتخابي

تباشر الدولة مهمة الضبط الانتخابي، وخاصة من خلال أدوار وزارة الداخلية. ليست هناك سلطة مستقلة للإشراف على الانتخابات. هناك اهتمام بنتائج الانتخابات ممن يتولى أمر الإشراف عليها. إذ ينهض تخوف من أن تفرز الانتخابات أغلبية لها برنامج مختلف عن برنامج الدولة القار وتطالب بتطبيقه.

إن الداخلية هي سلطة خارج حكومية ،أكثر من غيرها، متعاظمة الأدوار، وتحرص على ضبط واقع معين، وتسعى لكي لا تفرز الانتخابات واقعا قد يمنع استمرار مركزية القرار، أو تنبثق من خلاله قوة تطالب باستقلاليتها عن الدولة وبرنامجها.

إن وسائل الضبط الانتخابي متعددة ومركبة، وهي تكفل استمرارية وضع قائم ينبع القرار فيه من أعلى، وتتكيف مع الظروف و “المستجدات”، وهي لا ترمي إلى تغيير خريطة النتائج بكاملها بل إلى “تقويمها” ضمانا لتوازن معين، مع الحرص على ألا يتطور الأمر إلى خلق أحداث أو اضطرابات تخدش صورة الانتخابات.

إن الداخلية من خلال “ضبط” التقطيع واللوائح والتسجيل فيها، وهيكلة مكاتب التصويت وتوجيه الإعلام ومحاربة ترشيح المستقلين، والتحكم في مسار المعلومة، ومسار البطاقات الانتخابية ونوع العلاقة القائمة مع الأعيان وتقييد الدخول لحلبة التنافس الحزبي، تحقق الكثير من الأهداف التي تتناقض مع الحيادية المفترضة فيمن يتولى الإشراف على الانتخابات.

3-التركيبة الحكومية لا تعكس إرادة “أغلبية حزبية”

إن تدخل المستشارين الملكيين في “إعداد” التركيبة الحكومية يجعل هذا الإعداد بعيداً عن منطق التقيد الحقيقي بإفرازات صناديق الاقتراع، كما يجعل تدخل الوزير الأول غير حاسم في طبيعة التشكيلة. فنحن نسير عملياً في اتجاه ترسيم وضع الحكومة الائتلافية الأبدية، التي ليس لها عملياً لون سياسي، يختلط فيها اليمين باليسار، المجددون بالمحافظين، “أحزاب الحركة الوطنية” بـ “الأحزاب الإدارية”، وزراء تتدخل الاعتبارات الانتخابية في تنصيبهم ووزراء لا يتوقف تنصيبهم على فوزهم أو فوز أحزابهم في الانتخابات، وزراء يغيرون لونهم السياسي في آخر لحظة وأحياناً أكثر من مرة خلال مسلسل تشكيل نفس الحكومة. وفي نهاية المطاف، يصبح “حزب التكنوقراط” هو القوة الأكثر تمثيلاً ونفوذاً في تركيبة الحكومة، وهو “النواة الصلبة” التي تضفي على الحكومة لونها الحقيقي.

4-الوزير الأول ليس في وضع الرئيس الفعلي للجهاز التنفيذي

هناك دائما إمكانية لاختيار الوزير الأول من خارج الأحزاب الفائزة في الانتخابات، بل من خارج الأحزاب أصلا، وهناك دائما إمكانية لكي تُضمن له أغلبية و”سلم سياسي” يمنع من إسقاطه، مع التذكير بأن هذه الضمانة التي تتوفر له لا تُعزى إلى صلاحية دستورية مباشرة للملك، بل إلى تقليد يجعل الفاعلين عموما يقبلون في النهاية الخضوع السهل للاختيار الملكي.

لكن هناك ما يفرض أن تكون ممارسة الوزير الأول لسلطاته المرسومة في النص الدستوري مقيدة بشرط صدور إذن أو أمر أو إشارة ملكية، مادامت الصلاحيات الدستورية للملك وكما يوضحها التأويل الدستوري القائم، تجعل منه مصدر السلطة الأصلي ورئيس الجهاز التنفيذي وبقية الأجهزة والمؤسسات الأخرى. وعندما تمارس هذه الأخيرة صلاحية ما فيكون ذلك بتفويض من المصدر الأصلي. وبناء عليه فالوزير الأول في الحقيقة مجرد مساعد للملك، يسير اجتماعات مجلس الحكومة الرسمية.

هناك نصوص قانونية تمنح الوزير الأول بعض الصلاحيات، ولكن الملك يتولى ممارستها، مثل تعيين رئيس الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة الذي يجب أن يتم بقرار من الوزير الأول حسب النص القانوني المنظم للهيئة، ولكن وسائل الإعلام العمومية لم تتردد في الإشارة إلى أن الملك هو من تولى تعيين الرئيس المذكور.

يستقبل الملك الوزراء المعينين في قطاعات محددة ويقدم لهم تعليماته مباشرة، ويأمرهم بتنفيذ القرارات التي يصدرها وتهم قطاعاتهم، بدون مواكبة الوزير الأول لهذه العملية، كما يقوم الملك بإعفاء أي وزير من الوزراء وتعيين شخص آخر مكانه، بدون اقتراح من الوزير الأول. ولهذا فإن الوزراء يعلمون أنه بعد تنصيبهم فإن الوزير الأول ليس هو المتحكم في استمرارهم، ولا سلطة له في الحكم على آدائهم وتقييم عملهم.

5-الوزراء “العاديون” أقرب إلى مسيري قطاعات إدارية منهم إلى وزراء بالمعنى السياسي

الوزراء الذين لا ينتمون إلى النواة الصلبة المذكورة آنفا، هم في واقع الأمر مجرد مسيرين لقطاعات إدارية، فلا شيء يوحي بأنهم ينتمون إلى جوهر السلطة الحقيقي أو يشاركون في  اتخاذ القرارات الإستراتيجية أو يمثلون جزءاً فاعلاً ضمن فريق حامل لرؤية سياسية وماسك لصلاحية تفعيل هذه الرؤية.

الوزير “العادي” إذن لا يشخص جميع أبعاد وظيفة الوزير في نظام ديمقراطي نموذجي. والوزير العادي يوجد في مركز أدنى من وزراء آخرين في نفس الحكومة، وهو يدرك بأن القرارات الحيوية والحاسمة تُتخذ في منطقة ليس له فيها موطئ قدم وتوجد خارج جغرافية الحكومة. ولهذا فهو يفضل في أحيان كثيرة تجنب الإقدام على مبادرات قد تلقى اعتراضاً من فوق أو لم يرد بشأنها توجيه أو تعليمات.

الوزير العادي يعلم أن هناك مساحة عتمة في محيط العمل الحكومي قد لا يعرف ما يجري بها، ولاحق له في التدخل في مطبخها الداخلي. إنها مساحة لها تضاريسها ومنعرجاتها الخاصة وقواعد عملها، ولا تكفي صفة الوزير لمنح صاحبها جواز المرور إلى تلك المساحة واختراق فضائها.

6-عدم إلزامية البرنامج الحكومي المعلن

إن البرنامج الحكومي المصادق عليه في البرلمان لا يمثل مرجعية ملزمة، مادام الخطاب الملكي يقدم التوجهات في صيغتها المرقمة أحيانا ،وقد سبق أن تم ذلك عشية الانتخابات نفسها، ومادام الملك في أي خطاب من خطاباته يمكن أن يعلن عن تدابير وإجراءات ومخططات لا علاقة لها بالبرنامج الحكومي المعلن، بدون أن تكون قد عُرضت على الحكومة أو علمت بها، لكنها تتلقى التعليمات بتنفيذها.

وربما لهذا السبب، فإن التحالفات لتشكيل الحكومات، لا تمنح لقضية البرنامج إلا أهمية ثانوية، وهذا الأخير لا يُصاغ بشكل مدقق، بل يمثل خطاطة لعناوين كبرى.

7-غياب أي دور للوزير الأول في عمل مؤسسة مجلس الوزراء

إن صلاحيات مجلس الوزراء تكاد تجعل مجلس الحكومة بلا قيمة تُذكر، فأغلب النصوص تُحال على المجلس الأول بعد دراستها في المجلس الثاني، والمدة الزمنية لجمع المجلس الوزاري قد تطول بدون أن يكون للوزير الأول الحق في استدعاء هذا المجلس للاجتماع وتصفية الملفات المتراكمة.

يمكن للملك أن يتدخل باستبعاد نقطة في جدول الأعمال، أو يباشر تلقائيا صياغة نص يصدر في شكل ظهير شريف مباشرة بدون مناقشة بمجلس الوزراء.

8-ثنائية حكومة فعلية موازية/حكومة إسمية

بالرغم من وجود حكومة رسمية، فإن المستشارين الملكيين ووزراء الداخلية والأمانة العامة للحكومة وما اصطلح عليه البعض بوزراء السيادة والمدراء، يمثلون جميعا وجها لسلطة فعلية تتفوق على سلطة الحكومة الرسمية، وتخلق خللا مؤسسيا يتمثل في »الازدواجية بين سلطة الدولة وسلطة الحكومة «، فكما لو أن الحكومة ليست جزءا من الدولة. ولهذا السبب فإن الحكومة في المغرب هي فعلا »منظمة غير حكومية«.

إن»الدولة« تقيم علاقاتها بالقطاعات من خلال مؤسسة الديوان الملكي (مستشارون، وزارة الداخلية، ولاة، عمال، موظفون كبار، مدارء المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية)، خارج العلاقة المفترضة بين وزراء الحكومة وهذه القطاعات. وهكذا تضيع قواعد المسؤولية والوضوح في التدبير.

9- ظاهرة اللجان/الصناديق/المؤسسات/المجالس

يتعلق الأمر هنا بهيئات تقتطع مساحات هامة من اختصاصات الحكومة وميزانيتها العامة وتساهم في تهميشها. إنها هيئات تقع تحت النفوذ الملكي المباشر ولا يتأتى عمليا مباشرة أي وجه للإشراف أو الرقابة عليها من طرف ممثلي الشعب المفترضين. وقد أدى تزايد نفوذ مدراء هذه الهيئات إلى أن يصبحوا أشبه بوزراء يتحكمون في مصير أموال عمومية ويدبرونها باستقلال عن الأجهزة الحكومية القائمة، ويتوفرون على نوع من الحصانة والاستمرارية التي لا تتأثر بالمتغيرات الانتخابية وتعبيرات الرأي العام السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وقد تعمَّق عرف إنشاء هذه الهيئات، وأُحيلت عليها ملفات حساسة وحيوية تهم الجوانب الاقتصادية والسياسية التي تندرج عادة في صلب اهتمام واختصاص الحكومات في مختلف أنحاء العالم.

هناك مجالس تم إنشاؤها تلبي فعلاً بعض الحاجات الموضوعية وكانت موضوع مطالب شعبية، ولكن هناك مجالس أخرى تم استحداثها لغايات أخرى كالإيحاء بإيجاد مجال لحل مشاكل ملحة هو غير مجال حلها الحقيقي، وزرع الأوهام، أو استقطاب النخب، أو تخفيف الاحتقان، أو الالتفاف على المطالب. وقد أدى الأمر أحيانا إلى تداخلات وظيفية وتكريس اللامسؤولية وغموض الصلاحيات وإضعاف المؤسسات وتعسير سبل المحاسبة.

10-الوضع الخاص لوزارة الداخلية والأجهزة الأمنية

لا يتعلق الأمر هنا فقط بما تتمتع به وزارة الداخلية من شبه استقلالية عن الجهاز الحكومي واحتلالها لموقع خاص متسام ناجم عن ارتباطها الوثيق بالقصر، بل أيضا بالصلاحيات الواسعة الممنوحة لهذه الوزارة وحقها في التدخل في عمل مختلف أجهزة الدولة، مما يجعلنا أمام ازدواجية في التوجيهات المقدمة إلى موظفي الدولة، ويؤدي إلى وجود تفاوت وعدم توازن بين حجم السلطة التنفيذية التي تعود إلى الداخلية وحجم السلطة التي تعود لغيرها.

إن وزارة الداخلية تبدو كما لو كانت مركبا من الوزارات وليس وزارة واحدة، ويكفي أن نشير إلى السلطات المتسعة للعمال والولاة، وما يترتب عنها من إمكان تجاوز الوزارات الأخرى، بل وتجاوز الحكومة ككل. فالولاة والعمال باعتبارهم منسقين للمصالح الخارجية للوزارات يجعلون النواب الإقليمين لتلك الوزارات تحت رحمتهم، مما يؤثر سلبا على مسار تنفيذ البرنامج الحكومي.

كما أن انعدام مواكبة الوزير الأول لعمل الأجهزة الأمنية رغم أن هذه الأخيرة يُفترض أنها تابعة لوزير عامل ضمن “الفريق الحكومي”، يعرقل جديا بعض إمكانات الحد من التجاوزات.

إن التجربة أبانت عن وجود عجز حكومي في مجال محاسبة عمل الأجهزة الأمنية التي تباشر أعمالاً من المفروض أن تتم باسم الحكومة. وخلال الفترة التي أعقبت أحداث 16 ماي أمكننا أن نلمس بوضوح هامشية دور الحكومة في مجال تحديد السياسة الأمنية طبقا لالتزامات الحكومة والضوابط التي أعلنت تعلقها بها.

لقد برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة النفوذ المتزايد للأجهزة الأمنية التي أصبحت تباشر التدخل في الحقل السياسي، كما تم ذلك في واضحة النهار عبر “ترتيبات” عمليات انتخاب بعض رؤساء الجهات في أعقاب الاقتراع العام لـ 12 يونيه 2009. وظهر أن الأجهزة المذكورة تخوض حركة كثيفة وملفتة لاكتشاف الخلايا الإرهابية بمعدل خلية كل شهر، في غياب اي “اهتمام” بهذا النشاط الكثيف من طرف الجهاز الحكومي الذي اتسعت الشقة بينه وبين ما يحصل في الحقل الأمني. ذلك أن جداول أعمال اجتماعات مجالس الحكومة تؤكد أن هذه الأخيرة لا تُتابع حقيقة ما يجري بالنسبة لمجال له صلة مباشرة بحريات الناس. وأشارت بعض الشهادات إلى دور الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في تحديد مصير بعض المؤسسات الصحفية، وإلى استمرار ظاهرة الاختطاف والتعذيب وتلفيق التهم وتزوير المحاضر وتوجيه القضاء.

11-مكانة المديرين في هرم السلطة

إن تعيين المديرين بظهائر ملكية يمنحهم القدرة على التصرف خارج التوجيهات الحكومية، حتى أن عددًا منهم حولوا القطاعات التابعة لهم أو المؤسسات العمومية التي يسيرونها ،والتي لها أحيانًا جيش عرمرم من المستخدمين وميزانيات ضخمة، إلى مجالات خاصة، لا يُعتد فيها بالإشراف الحكومي، مادام الحساب في النهاية يجب أن يُقدم إلى صاحب سلطة التعيين، ومادامت عملية التعيين نفسها تغشاها اعتبارات وعناصر لا ترتبط دائما بإرادة الحكومة أو الوزراء المعنيين.

12-شبه استقلالية الأمانة العامة للحكومة

تُعتبر الأمانة العامة للحكومة تابعة عمليا للقصر، وهي لا تكتفي بدور الإعداد الفني للنصوص التي تنوي الحكومة إخراجها، بل تتعداه في الواقع الملموس إلى ممارسة نوع من سلطة الملاءمة السياسية، عبر سياسة تجميد عدد من النصوص، فتفرض على الحكومة التكيف مع هذا الأمر الواقع وتسليم قدرها لسلطة الأمانة العامة، ويتندر المسئولون أنفسهم أحيانا برواية قصص عجيبة عن المدد الطويلة التي قبعت فيها عدد من النصوص محتجزة تعسفيًا لدى الأمانة العامة للحكومة.

13-التشريع الملكي المباشر

بناء على الفصل 19 يعمد الملك أحيانًا إلى إصدار نصوص تشريعية تُنشر بالجريدة الرسمية ويتم العمل بها بدون الرجوع إلى البرلمان أو حتى إشعار مجلس الوزراء، رغم أن تلك النصوص تدخل في مجال القانون (ظهير إنشاء المجلس الأعلى للإعلام السمعي البصري- ديوان المظالم، على سبيل المثال). ويتعلق الأمر أحيانا بمواضيع تكون الحكومة قد شرعت في إعداد النصوص المتعلقة بها. وقد تأتي صيغة النص المنشور بظهير ملكي مخالفة للتوجه الذي كانت الحكومة أو القطاع المعني يريدان أن يخضع له مضمون النص. وذلك بالرغم من أن الملك يمكنه أن يتدخل على مستوى مجلس الوزراء لتعديل صيغة المشروع أو أن يطلب قراءة ثانية بعد مصادقة البرلمان أو يتوجه إلى الشعب مباشرة لاستفتائه في الموضوع.

14-اعتبار القضاء مشمولا بسلطة الإمامة

إن التأويل الذي قُدم للدستور المغربي بمناسبة رفض القضاء ممارسة أي نوع من الرقابة على أعمال الملك يقوم على أن هذا الأخير هو باعتبار مكانته الدينية بمثابة »القاضي الأول«، فلا يمكن والحالة هذه للفرع أن يراقب أعمال الأصل، وكل ما يصدر عن الملك يتمتع بحصانة مطلقة ولا يمكن الطعن فيه، ويبقى للأفراد أن يلتمسوا المراجعة على سبيل الاستعطاف بالتوجه مباشرة إلى الملك أيًا كان مجال العمل الملكي. هذا المنطق يتماشى في الأصل مع فكرة القداسة التي يحظى بها شخص الملك، والتي تجعل كل ما يفيض عنه مقدسًا أيضًا، حتى ولو تم تسجيل تعارض القرارات والنصوص الصادرة مع القانون. وقد أكد القضاء أن الخطب الملكية مثلا هي بمثابة قانون، حتى ولو لم تُصغ في قوالب قانونية.

إن القضاة حسب هذا المنظور ممثلون فعليا للملك، ويترتب عن ذلك سعيهم إلى تشخيص الإرادة الملكية في أحكامهم. ومن ثمة، فإن الوضع الدستوري في المغرب، طبقا لمنطوق الفصل 19 وللتأويل الذي قُدم له، لا يتحمل فكرة استقلال القضاء. كما يشكو نظامنا القانوني عمومًا من حواجز وحدود تمنع وجود شكل متقدم ومرن لرقابة حقيقية على دستورية القوانين، ومن العراقيل التي تمنع القضاة من تنظيم صفوفهم بشكل مستقل وبناء علاقات تضامنية تمنحهم قدرة البروز كمركز سلطة في مراقبة مراكز السلطات الأخرى. ولهذا السبب ربما فضل المشرع الدستوري استعمال عبارة »القضاء «بدل عبارة “السلطة القضائية”!.

 15- ضعف المؤسسة البرلمانية

ويتجلى في كونها ليست مصدرًا للمبادرة المستقلة، ولا تمارس رقابة فعلية على سير دواليب الإدارة وخاصة في القطاعات الحساسة، وعدم نهوضها بالمهام المطلوبة منها إزاء أحداث وطنية خطيرة كتفجيرات 16 ماي وما أعقبها من متابعات وممارسات تحكمية، وضعف الحضور في مناقشة نصوص أساسية، وتهميش دور النواب في اقتراح القوانين، واستعمال تقنية الأسئلة على وجه لا يجعل منها وسيلة لمواكبة القضايا الوطنية ذات الأولوية، وما يتسبب فيه وجود الغرفة الثانية من إهدار للوقت والجهد وازدواج وظيفي، والافتقار إلى الموارد البشرية الكافية ذات الخبرة العالية والتي تستطيع مساعدة البرلمانيين على إنجاز مهام الرقابة بالنسبة لمختلف مرافق الأداء الحكومي وعلى ضبط المادة القانونية وتجويد الإنتاج التشريعي ..إلخ.

16-الإيحاء بأن الليبرالية اختيار وحيد مدستر

ينص الفصل 15 من الدستور على أن “حق الملكية وحرية المبادرة الخاصة مضمونان”. ورغم أن نفس الفصل يقضي بأن “للقانون أن يحد من مداهما وممارستهما إذا دعت إلى ذلك ضرورة النمو الاقتصادي والاجتماعي للبلاد”، فإن الدستور المغربي لا يشير إلى ضرورة أن تتوخى البرامج العمومية خدمة مبادئ العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة الوطنية. وبذلك يبدو دستورنا كما لو كان يكرس الاختيار الليبرالي كاختيار وحيد للبلاد، والحال أن الدساتير يجب أن تُصاغ في شكل مبادئ عامة تمثل وعاء لاستيعاب الاختيارات والبرامج الليبرالية والاشتراكية، إذ لا يمكن أن يتحول اختيار ما أو برنامج اقتصادي واجتماعي لهذه القوة السياسية أو تلك إلى مقتضى دستوري.

17-الزواج بين السلطة والمال

هناك مقربون من مركز القرار، يمارسون أنشطة اقتصادية على وجه مخل في عدد من مظاهره بقواعد عمل السوق، ويقدمون بذلك الدليل على طبيعة الليبرالية المشوهة والهجينة القائمة في المغرب. ويتجلى ذلك على الخصوص  من خلال :

  • تكريس اقتصاد الريع والامتيازات بواسطة الاستفادة من تفويت أراض وعقارات بأثمنة بخسة، تُقام عليها مشاريع ضخمة مذرة لأرباح خيالية، والحصول على تسهيلات من الدولة والجماعات بشكل يحرم الخزينة العامة من مداخيل إضافية ويضر بالمصالح العمومية، رغم الشعارات البراقة التي يزعم أصحابها الدفاع عن تلك المصالح.
  • اتخاذ بعض القرارات في دائرة ضيقة بدون نقاش عمومي حول النجاعة الاقتصادية والاجتماعية لتلك القرارات التي تخدم بالدرجة الأولى المصالح الاقتصادية المباشرة لأفراد الدائرة المتخذة فيها، مما يجعل السلطوية في خدمة المصالح الاقتصادية الشخصية والمباشرة لمن يمارسون السلطوية.
  • الهيمنة على بعض القطاعات الاقتصادية وتهميش فاعلين آخرين وحملهم على تقليص أنشطتهم والخضوع لإملاءات الفاعلين المحظوظين الكبار، الذين يرسمون مسبقاً دائرة المجالات التي لا يُسمح فيها عملياً لغيرهم بأية مبادرة ذات شأن ومردود.
  • إدخال منطق المقدس في معادلة النشاط الاقتصادي كمحدد لأرقام تلك المعادلة، وخلق حالة من عدم المساواة في حظوظ الفعل الاقتصادي بين المتدخلين الخواص.

لا شك أن ربط القرار بصناديق الاقتراع، ووضع السلطة بين أيدي المنتخبين في إطار ملكية برلمانية حقيقية سيضمن المحاسبة على كل القرارات، وسيفضي تدريجيا إلى تواري الواقع القائم على عدم إمكان المنافسة الاقتصادية لفاعل يملك كل السلط ويتحكم في مصير القرارات والأشخاص بصورة دائمة، وبدون أي وجه للمحاسبة.

18-ثقل البروتوكول:

البروتوكول الملكي في المغرب كان دائما ثقيلا مرهقا ومكلفا. وهو ليس فقط مجرد طقوس، بل هو أيضا آلة للإخضاع والتطويع وتبليغ رسائل والإشعار المستمر للمحكومين بأنهم في وضع الرعية التي يوجد مصيرها بيد غيرها، وأن عليها أن تقبل هذا الوضع الموسوم بالتبعية وأن تخضع للوصاية.

إن هناك علاقة بين البروتوكول وبين الدستور والحياة السياسية. فحفل الولاء مثلا يُقَدَّمُ على أنه تجديد سنوي للبيعة. وهذه الأخيرة تُقَدَّمُ كتشخيص للتعاقد “الحقيقي” و”الجوهري” بين الحاكم والمحكومين. أما الدستور – حسب هذا المنطق – فهو وثيقة تنظم ما هو أدنى مما تنظمه البيعة

وبعبارة أخرى، تُنْتِجُ الطقوس خطابها الخاص الذي يعطي للألقاب الملكية مدلولها الحقيقي، والذي يُعطي للفصل 19 التأويل الأجدر بالإتباع، والذي يُذَكِّرُ بأن مؤسسات الحداثة السياسية القائمة ليس من شأنها وليس من حقها أن تضع حدا لممارسات القرون الماضية المستندة إلى الأحكام السلطانية.

لقد أدت بعض قضايانا الوطنية ثمن طقوس اعتُبرت ربما لدى ملاحظين خارجيين قرينة على انتماء النظام لثقافة لا يمكن أن تقبل باحترام إرادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.

19-شبه غياب أو تغييب السلطة المضادة

نعيش في المغرب اليوم وضعا يكاد ينعدم فيه وجود سلطة مضادة وازنة. هذا المآل أفرزته سنوات من سياسات إدماج النخب ورفض الاعتراف باستقلالية الهياكل والمؤسسات الممثلة للمجتمع وفئاته المختلفة، ومحاولة تسييد ثقافة “الإجماع”.

لقد تم نوع من التدمير المنهجي لآليات المجتمع القادرة على صنع سلطة مضادة حقيقية، تستطيع خلق التوازن الضروري في المجتمع الديمقراطي.

يكفي أن نشير هنا إلى الحرب الضروس التي تتعرض لها الصحف المستقلة، والتي تزاوج بين أساليب الضغط المباشرة والجلية وبين الأساليب الخفية، مما أدى إلى إخلاء الساحة الإعلامية من منابر “معارضة”.

تغيير الدستور لن يسمح وحده بقيام سلطة مضادة إذا لم يكن هناك فاعلون لهم استعداد لتحمل مسئولية السهر على وجود السلطة المضادة والاقتناع بجدواها والنضال من أجلها. ولكن التغيير الدستوري يجب أن يعمل في اتجاه محاربة التوجه القاضي بمركزة السلطة ويعمل على تكريس توجه مضاد يقوم على “أنسنتها” ونزع طابع القداسة عنها وتوفير وسائل مقاومة الوجه المشتط أو التعسفي لممارستها. وهكذا يجب أن يتوفر المغاربة على دستور جديد يسمح لهم بامتلاك ما يكفي من الأدوات القانونية للمراقبة والتتبع، ومساءلة السلطة وحملها على التقيد بالقانون.

20-تعدد الأسلحة السهلة لتعطيل عمل المؤسسات المنتخبة

من داخل الدستور نفسه، يتوفر للملك دائما إمكان تعطيل عمل المؤسسات المنتخبة وممارسة كل الصلاحيات التي يريد ممارستها، بسهولة كبيرة وبدون قيود تُذكر.

فقد سبق للملك الراحل أن استعمل الفصل 35 من الدستور لإعلان حالة الاستثناء لمدة خمس سنوات، وهو الذي قَدَّرَ أن هناك مبررات لإعلان هذه الحالة. فيكفي أن يستشير الملك – حسب الدستور الحالي – رئيسي مجلس النواب ومجلس المستشارين، ورئيس المجلس الدستوري، وتوجيه خطاب إلى الأمة. فأيًّا كان موقف هؤلاء الذين تمت استشارتهم، فإن الملك غير ملزم بالأخذ برأيهم ، والأحداث التي يجب أن تكون الأساس لإعلان حالة الاستثناء هي أية أحداث ” من شأنها” أن تمس بسير المؤسسات الدستورية حتى ولو لم تكن قد مسَّت بها فعلا. والملك في إطار حالة الاستثناء يتمتع بكل الصلاحيات “التي يتطلبها تسيير شؤون الدولة”، ويمكن أن يمتد ذلك لعدة سنوات، فليس هناك أي قيد زمني أو إجراء يفرض على الملك إنهاء حالة الاستثناء. وحتى مع استمرار وجود البرلمان، فإن الصلاحية المطلقة التي تُمنح للملك في حالة الاستثناء، تجعله غير مقيد بواجب الإبقاء على نشاط البرلمان قائما أو تزكية ما يصدر عنه والأخذ به.

إن الفصل 35 إذن يوفر سلاحا احتياطيا لتعطيل عمل المؤسسات بالإرادة الملكية الحرة في أية لحظة، وبدون أية عقبات دستورية. فالملك هنا هو الذي يُقَدِّر وهو الذي يقرر.

والفصل 101 و 102 استُعملا أيضا لتمكين الملك الحسن الثاني من استثمار حالات “البياض المؤسسي” لاتخاذ كل القرارات وممارسة سلطة مطلقة لا حدود لها، وتمديد فترة البياض حتى إكمال ما كان يريد اتخاذه من تدابير وبرامج وتشريعات وسياسات، في مختلف ميادين النشاط الرسمي.

فتحت هذا الرقم أو ذاك من الرقمين المشار إليهما، جرت العادة أن يتضمن نص الدستور المراجع،المقتضى التالي: “إلى أن يتم تنصيب مجلس النواب المنصوص عليه في هذا الدستور، يتخذ جلالة الملك الإجراءات التشريعية والتنظيمية اللازمة لإقامة المؤسسات الدستورية وسير السلط العمومية وتدبير شؤون الدولة”.

وقد امتد “البياض المؤسسي” أحيانا لمدى عدة سنوات اتُّخذت خلالها قرارات إستراتيجية تلزم الدولة لعدة سنوات من بعد.

وأخيرا، فإن الفصل 19 اعتُمد أيضا لتمكين الملك من ممارسة صلاحيات لا تكون مخولة إليه بمقتضى نصوص صريحة في الدستور، أو تكون مخولة إلى غيره، وذلك اعتمادا على تأويل واسع لصفة “أمير المؤمنين” أو لصفة “الممثل الأسمى للأمة”.

III : المرتكزات العامة للدستورالجديد : دولة القانون

انطلاقا من هاجس معالجة الاختلالات المذكورة أعلاه، وأخذًا بعين الاعتبار لشروط المرحلة ومتطلبات التقدم والتحديث، ستتحدد إذن صورة الدستور الذي نريد، وهي صورة تترجم استنادنا إلى جملة من المبادئ الموجهة :

  • الاقتناع بالديمقراطية كفلسفة وكآليات.
  • ليس هناك خصوصية يمكن باسمها المس بأي من الآليات الديمقراطية المعروفة.
  • الشكل الملكي للنظام ليس في حد ذاته عائقا في وجه الديمقراطية، فيمكن لهذا الشكل، كما أظهرت ذلك تجارب المجتمعات الأخرى، أن يتلاءم مع مقتضيات الديمقراطية، ويمكن له أن يوفر لنفسه وللمجتمع سبل الاستقرار.
  • إن الاعتماد على استعراض اختلالات النظام السياسي والدستوري من أجل رسم معالم التغيير الدستوري المطلوب عملية ضرورية من الناحية المنهجية. ومع ذلك فإن من تلك الاختلالات ما يمكن معالجته بتدخل التقنية الدستورية، ومنها ما لا يمكن أن يُعالج كذلك، بل هو رهين أيضا بتغيير الثقافة السياسية للفاعلين وبعناصر تنتمي إلى المحيط السياسي العام.
  • بينت التجربة أن التطبيق الدستوري ليس سلسا، ولا يمكن للواقع أن يتغير جذريا بين عشية وضحاها. فهناك تقاليد متأصلة ستحاول أن تنفلت من حكم النص، مما يتطلب إنجاز سلسلة من الخطوات والعمليات المركبة والمترابطة والتي تندرج في السياق الشامل للإصلاح السياسي بأوجهه المتعددة.

الدستور الذي نريد إذن هو ذلك الدستور القادر على ضمان :

  • ربط القرار بصناديق الاقتراع، أي اعتماد السيادة الشعبية أساسا للحكم.
  • »دسترة الدستور« أي الوصول إلى جعل الدستور وثيقة ملزمة، حتى تصبح الحالة الدستورية حقيقة لا مجازًا، ويتبوأ النص الدستوري المكتوب مكانه فوق كل السلطات تعبيرا عن سمو السلطة التأسيسية.
  • استعمال الأحكام الدستورية للحد من الأعراف اللادستورية أي قواعد العمل غير المتلائمة مع نصوص الدستور.
  • توحيد المشروعية في الشرعية، والوصول إلى إقرار دستور واحد، والقطع مع الحالة التي تُعرف بوجود دستورين (دستور عصري / دستور تراثي) أو ثلاثة دساتير (دستور ضمني / دستور صريح / دستور مطالب به).

وبعبارة أخرى نريد الوصول إلى دستور ديمقراطي، وذلك أساسًا من خلال :

  • الاحتفاظ للملك بسلطات رمزية وشرفية مع جعل وظيفته الأساسية هي تمكين المنتخبين من ممارسة سلطاتهم.
  • منح الحكومة صلاحية تدبير شؤون الدولة.
  • جعل الوزير الأول رئيسا فعليا للجهاز الحكومي منبثقا من الأغلبية.
  • تحويل الصلاحيات الأساسية لمجلس الوزراء إلى مجلس الحكومة.
  • توسيع اختصاصات مجلس النواب، وإلغاء الغرفة الثانية، وتأكيد الطابع البرلماني للحكم من خلال أدوار جديدة وحاسمة للبرلمان ولرئيسه.
  • ضبط عدد من آليات استقلال القضاء.

ونرى أن يكون الدستور المغربي الجديد دستورًا مفصلاً، وذلك تحقيقا للغايات التالية :

  • ضمان تقييد المشرع العادي حتى لا يستغل الفراغ لوضع قواعد لا تتماشى مع روح الدستور.
  • توحيد التأويل حتى تمنح المبادئ الواردة في الدستور معان واضحة، ولا يتم الاستناد إلى حرية التأويل من أجل التحلل من الدلالات والمعاني الممنوحة للكلمات والتعابير المستعملة في المجتمعات الديمقراطية.
  • إنارة الممارسة وتزويد الجميع بأكبر قدر من المعطيات والعناصر الضرورية لتطبيق دستوري سليم وواضح.

كما نرى أن يكون دستورنا المقبل قادرا على الاستفادة من دروس الظرفية السياسية ومعطياتها ومواكبة المستجدات الوطنية والعالمية، وخاصة من خلال :

  • محاولة إصلاح عطب »التناوب «الذي جعل هذا الأخير عاجزًا عن الوفاء بما وعد الناس به.
  • استيعاب مستجدات البناء المؤسسي (الوسيط – الهيأة العليا للإعلام السمعي البصري…).
  • مراعاة النقد الذي وُجه للغرفة الثانية، والإجماع الحاصل على شذوذ الوضع الحالي المتمثل عمليًا في وجود برلمانين.
  • دسترة الالتزام الملكي بتعيين الوزير الأول من الأغلبية.
  • تجسيد التوجه العام نحو تعزيز نظام الجهوية، ووضع الصيغة الدستورية القادرة على استيعاب فكرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية.
  • إعادة تأكيد مكانة الأمازيغية كإحدى مكونات الهوية المغربية.
  • تحصين بعض مواد قانون الأسرة بدسترة مضامينها.
  • التنصيص على حق المهاجرين المغاربة في المشاركة السياسية، والذي سبق أن ورد في التزام رسمي.
  • مواكبة المستجدات العالمية بخصوص ما عرفته ترسانة الحقوق من توسع عبر توالي أجيالها.
  • إحكام صياغة الدستور، واستعمال عبارات إيجابية كالتعددية مثلاً التي كان يجب أن تعوض الإشارة السلبية الواردة بالمادة 3.
  • تطبيق توصيات التقرير النهائي لهيأة الإنصاف والمصالحة ودسترة ما يحتاج منها إلى الدسترة.
Posted by | View Post | View Group

عن الاشتراكي الموحد الدار البيضاء

شاهد أيضاً

logo-psu-maroc-transpaent2

مدونة السلوك

–  يعتمد الحزب مبدئيا على دورية السنتين لعقد مؤتمره الوطني. ولا يسمح بالتمديد إلا استثناء ، …